ابراهيم بن عمر البقاعي

48

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

عَظِيمٍ * وفي هود أَلِيمٍ [ هود : 26 ] وقال في المؤمنون أَ فَلا تَتَّقُونَ [ المؤمنون : 23 ] لأن ترتيب السور الثلاث - وإن كان الصحيح أنه باجتهاد الصحابة رضي اللّه عنهم - فلعله جاء على ترتيبها في النزول ، لأنها مكيات ، وعلى ترتيب مقال نوح عليه السّلام لهم فألان لهم أولا المقال من حيث إنه أوهم أن العظم الموصوف به ( اليوم ) لا بسبب العذاب بل لأمر آخر ، فيصير العذاب مطلقا يتناول أي عذاب كان ولو قل ، فلما تمادى تكذيبهم بين لهم أن عظمه إنما هو من جهة إيلام العذاب الواقع فيه ، فلما لجوا في عتوهم قال لهم قول القادر إذا هدد عند مخالفة غيره له : ألا تفعل ما أقول لك ؟ أي متى خالفت بعد هذا عاجلتك بالعقاب وأنت تعرف قدرتي . ولما تم ذلك ، وكان الحال مقتضيا - مع ما نصب من الأدلة الواضحة على الوحدانية - لأن يجيبوا بالتصديق ، كان كأنه قيل : فبماذا كان جوابهم ؟ فقال : قالَ الْمَلَأُ أي الأشراف الذين يملأ العيون مرآهم عظمة ، وتتوجه العيون في المحافل إليهم ، ولم يصفهم في هذه السورة بالكفر لأن ذلك أدخل في التسلية ، لأنها أول سورة قص فيها مثل هذا في ترتيب الكتاب ، ولأن من آمن به مطلقا كانوا في جنب من لم يؤمن في غاية القلة ، فكيف عند تقييدهم بالشرف ! وأكد ذمهم تسلية لهذا النبي الكريم بالتعريف بقربهم منه في النسب بقوله : مِنْ قَوْمِهِ وقابلوا رقته وأدبه بغلظة مؤكدا ما تضمنته من البهتان لأن حالهم مكذب لهم فقالوا : إِنَّا لَنَراكَ أي كل واحد منا يعتقد اعتقادا هو في الثقة به كالرؤية أنك فِي ضَلالٍ أي خطأ وذهاب عن الصواب ، هو ظرف لك محيط بك مُبِينٍ * أي ظاهر في نفسه حتى كأنه يظهر ذلك لغيره . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 61 إلى 68 ] قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 61 ) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 62 ) أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 63 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ ( 64 ) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 65 ) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 66 ) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 67 ) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ( 68 ) ولما قذفوه بضلال مقيد بالوضوح ، نفى الضلال المطلق الذي هو الأعم ، وبنفيه ينتفي كل أخصيّاته بل نفى أقل شيء من الضلال ، فقال تعالى مخبرا عنه قالَ يا قَوْمِ مجددا لاستعطافهم لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ فنفى وحدة غير معينة ، ولا يصدق ذلك إلا بنفي